أبي منصور الماتريدي
260
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
يَدْعُوهُ معناه : [ أي ] « 1 » : لما قام محمد صلّى اللّه عليه وسلم [ يدعو إلى الله ويوحده ] « 2 » ، ويدعو الخلق إلى عبادته وطاعته - همّ المشركون من [ الإنس والجن ] « 3 » ، وتلبدوا على هذا الأمر أن يطفئوه ؛ فأبى الله تعالى إلا أن ينصره ويمضيه . وإن كان هذا من أهل الإسلام من الجن ، والدعاء راجع إلى العبادة ؛ فكأنه يقول : لما قام بعبادة الله تعالى وهي الصلاة ، كادوا يكونون عليه لبدا ؛ لشدة حرصهم في تحفظ ما سمعوا ، وشدة حبهم لرسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ، ولما سمعوا . قوله تعالى : [ سورة الجن ( 72 ) : الآيات 20 إلى 28 ] قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً ( 20 ) قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداً ( 21 ) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً ( 22 ) إِلاَّ بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ( 23 ) حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً ( 24 ) قُلْ إِنْ أَدْرِي أَ قَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً ( 25 ) عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً ( 26 ) إِلاَّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً ( 27 ) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً ( 28 ) وقوله - عزّ وجل - : إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً ، فيه إخبار عن دينه : أن دينه التوحيد ، لا الإشراك بالله تعالى ، وإخبار عما يدعو الخلق إليه ، وذلك توحيد الله تعالى والقيام بطاعته . وجائز أن يكون هذا على أثر سؤال منهم ، ودعوتهم إلى عبادة الأصنام ؛ على ما ذكر في الأخبار أنهم قالوا : إنا نعبد إلهك يوما ، وتعبد آلهتنا يوما ، وهو كقوله - عزّ وجل - : وَيا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ * تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ . . . الآية [ غافر : 40 ، 41 ] . وجائز أن يكون كلاما مبتدأ يؤيسهم ، ويقنطهم ، ويقطع طمعهم عن عوده إلى ما هم عليه . وقوله - عزّ وجل - : قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداً : أي : ضرّا في الدين ، ورشدا في الدين ، والأصل في الأسماء المشتركة أن ينظر إلى مقابلها ، فيظهر مرادها بما يقابلها ؛ قال الله تعالى : وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ [ الجن : 14 ] ، والقاسط : الجائر ، وقد يكون غير الكافر جائرا ، ثم صرف الجور إلى
--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) في أ : يوحد الله تعالى . ( 3 ) في ب : الجن والإنس .